مفهوم اللّسانيات
اللّسانيات مصطلح يعني العلم الخاص بالدّراسة الموضوعيّة للّغة البشريّة من خلال الألسنة الخاصّة بكل قوم، وهو مشتق من (لُسُنْ) بمعنى فصح، واللّسان في اللّغة يحمل عدّة معانٍ منها: أداة بلع الطّعام وعضو آلة النّطق، أو أداة للتّعبير أو الاتّصال[1]. واللّسانيات هي العلم الّذي يدرس اللّغة الإنسانيّة دراسة علميّة تقوم عل الوصف ومعاينة الوقائع بعيدا كلّ البعد عن النّزعة التّعليميّة والأحكام المعياريّة، والمقصود هنا بالدّراسة العلميّة اتّباع قدر معيّن من المنهجيّة والشّموليّة الّتي تتيح الإحاطة الموضوعيّة بكلّ مفاصل المادة اللّغويّة. وتعرف اللّسانيات بأنّها: الدّراسة العلميّة والموضوعيّة للّسان البشري تقوم على الوصف ومعاينة الوقائع بعيدا عن النّزعة التّعليميّة والأحكام المعياريّة[2]. نفهم من هذا التّعريف ما يلي:
تتحدّد سمة العلميّة بالاستناد إلى مبدأ الاختلاف بين المعرفة العلميّة والمعرفة غير العلميّة؛ إذ تكون المعرفة علميّة إذا تأسّست على إدراك الأشياء لا في أفرادها وأعيانها فحسب؛ بل في داخل أجناسها وأنواعها، وبالنّظر إلى المفاهيم المجرّدة التي تشترك فيها.
أما سمة الموضوعية فتُبعد تدخل الذّات في الفكرة، وهي صفة تكون عليها معلومات الشّخص عند مطابقتها التّامة للواقع الخارجي عن نشاطه الذّاتي.
يبقى موضوع اللّسانيات كما حدّدها (F. de saussure / فرديناند دي سوسير) هو اللّغة لا الكلام في ذاته، وإن كانت اللّغة لا تظهر، ولا يمكن مشاهدتها إلّا من خلال الكلام؛ أي من التّأدية الفرديّة لها ومن كيفيّة استعمال مجموع الأفراد لها. أما الظّواهر الخاصّة بالكلام فدراستها وإن كانت ضروريّة لدراسة اللّسان إلّا أنّها لاحقة بها، وليست هي غاية علم اللّسان في حدّ ذاته، وهي تدرس اللّغة من كلّ جوانبها دراسة شاملة ضمن تسلسل مندرج: صوتيا، وصرفيا، وتركيبيا، ودلاليا. كما أنّها تسعى إلى بناء نظريّة لسانيّة شاملة تمكّننا من دراسة جميع اللّغات الإنسانيّة[3]. وبهذا يقول (دي سوسير) إنّ موضوع اللّسانيات الوحيد والصّحيح هو اللّغة في ذاتها ولذاتها.
تتحدّد إذا مهمّة اللّسانيات بدراسة اللّغة في ذاتها ومن أجل ذاتها، والمقصود من دراسة اللّغة في ذاتها هو الاستناد على بنيتها الدّاخليّة دون اللّجوء إل المعطيات الخارجيّة عنها كما كان يفعل النّحاة حين ينطلقون من المنطق الصّوريّ. أما دراستها من أجل ذاتها فتكون بجعل اللّغة غاية في الدّراسة وليس وسيلة كما هو الشّأن عند علماء اللّسانيات التّاريخيّة، الذين يتّخذون اللّغة وسيلة لغرض اكتشاف ثقافة الشّعوب وتقاليدها.
تتحدّد أهم وظيفة للّغة في الوظيفة البشريّة؛ فهي تقوم على الجمع بين مضامين فكر وبين أصوات ناتجة عن طريق الكلام، وهذا الجمع طبعا يحدّد المعنى الضّيق والدّقيق لكلمة (لغة) الّتي يمكن أن يكون لها معنى أعمّ، وباعتبارها وسيلة تواصل فهي تندرج حينئذٍ ضمن مجموعة الأدّلة التي تُبلّغ بإتقان نسبي دلالات تمسّ كلّ حواسنا: فكلّ حاسّة يمكن أن يقابلها نوع من اللّغة، فهي سمعيّة إذا كانت موجّهة للأذن وبصريّة إذا كانت موجّهة للعين...إلخ.