علم التّداوليّة: (علم التّخاطب/ Pragmatics)
يعرّف هذا العلم بأنّه "دراسة كيف يكون للمقولات معانٍ في المقامات التّخاطبيّة." وتطوّر هذا العلم كثيرا بفضل الجهود التي قام بها لسانيون وفلاسفة لغة أمريكيون مثل: (أوستين/ Austin، وسيرل/ Searle، وقرايس / Grice) وقد كان بعض اللّسانيين حتى عهد قريب يُبعدون المعنى عن موضوع دراستهم بسبب طبيعته المعقّدة التي تتداخل فيها مجالات بحثيّة مختلفة كالفلسفة، والمنطق، وعلم النّفس، وعلم الاجتماع و غيرها[2][1]. وقد سبق (لموريس) في تمييزه الثّلاثي المشهور بين حقول علم العلامات (النّحو، والدّلالة، والتّخاطب) أن ذكر أنّ علم النّحو يدرس العلاقات بين العلامات اللّغويّة وعلم الدّلالة يدرس علاقاتها بالأشياء والتّخاطب يدرس علاقة العلامات بمفسريها.
ويعود هذا التّصنيف الثّلاثي إلى (بيرس)، وإن كان موريس أوّل من رسمه بوضوح وأيّده العالم (كارناب/ Carnap)، ومن التّعريفات المقترحة بين علم الدّلالة وعلم التّخاطب أنّ الأوّل يدرس المعنى والثّاني يدرس الاستعمال[3].
مفهوم التّداوليّة
تختصّ التّداوليّة بدراسة المعنى كما يوصله المتكلّم ويفسّره المستمع لذا فإنّها مرتبطة بتحليل ما يعنيه الناس بألفاظهم أكثر من ارتباطها بما يمكن أن تعنيه كلمات أو عبارات هذه الألفاظ منفصلة؛ أي يتحدّد مفهوم التّداوليّة في دراسة المعنى الذي يقصده المتكلّم. ويتضمّن ميدان الدراسة هذا بالضّرورة تفسير ما يعيّنه الناس في سياق معيّن وكيفيّة تأثير السّياق في ما يُقال. كما يتطلّب أيضا التّمعن في الآليّة التي يُنظم من خلالها المتكلّمون ما يريدون قوله وفقا لهوّية الذي يتكلّمون إليه وأين ومتى، وتحت أية ظروف؛ أي التّداوليّة هي دراسة المعنى السّياقي.
موضوع التّداوليّة
- كيفيّة إدراك قدر كبير ممّا لم يتّم قوله على أنّه جزء ممّا يتم إيصاله، بمعنى دراسة المعنى غير المرئي؛ أي التّداوليّة تهتم بدراسة كيفيّة إيصال أكثر مما يُقال؛
- كما ينطوي القرب الماديّ أو الاجتماعي أو المفاهيمي على خبرة مشتركة بحيث يحدّد المتكلّمون مقدار ما يحتاجون قوله بناء على افتراض قرب المستمع أو بعده؛ أي التّداوليّة هي دراسة التّعبير عن التّباعد النّسبي؛
- تمتاز عمليّة دراسة اللّغة من خلال التّداوليّة بأنّها تمكّننا من التّحدّث عن المعاني التي يقصدها المتكلّم وعن افتراضاته وأهدافه، وما يصبو إليه وأنواع الأفعال التي يؤديها أثناء تأدية الكلام؛ أي التّداوليّة تدرس كلّ جوانب المعنى التي لم تتناولها النّظريّة الدّلاليّة.
أمست التّداوليّة اليوم مكوّنا مركزيا في دراسة التّواصل البشري، ولها مساحة تغطية محدّدة ومنظّمة ومجموعة أسس نظريّة معترف بها، وهي اليوم جزء مهم من الدّرس اللّساني ليس فقط في تأديّة جزء محدّد في مهمّة وصف وشرح التّواصل البشري؛ بل كذلك في تأثيرها على حقول عدّة من الدّرس اللّساني فتأثيرها قد تجاوز اللّسانيات وامتدّ إلى حقول دراسيّة ومعرفيّة عديدة[5].