المحاضرة رقم 03
مدارس الاستشراق
1 ) – المدرسة الفرنسية:
هي من أبرز وأعرق المدارس الاستشراقية؛ فقد كانت فرنسا منذ العصور الوسطى تتمتع بمكانة هامة في أوروبا، وكانت باريس تمثّل "مدرسة للاهوت" ما جعلها يُطلق عليها اسم " مدينة العلوم العليا".
لقد كان اهتمامها بالشرق، وبالعالم الإسلامي تحديدا، مبكّرا جدا، وعلى الرغم من صعوبة تحديد التاريخ الدقيق لبداية هذه العلاقة، إلاّ أنّ الكثير من المصادر التاريخية اتفقت على أنّ الفرنسيين كانوا من الأوروبيين الأوائل الذين اتصلوا بالعالم الإسلامي، واهتموا به بالبحث والدراسة وبإنشاء كراسي في جامعاتها تعنى بدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي والحضارة الإسلامية ككل. وقد اشتهرت هذه المدرسة بأسماء كبيرة لمستشرقين تخصصوا في دراسة الحضارة الإسلامية في جميع مناحيها.
وبغض النظر عن أهداف الاستشراق الفرنسي، والذي اقترن تاريخيا بالحركة الاستعمارية، إلا أنه ترك الآلاف من الدراسات والمؤلفات والترجمات التي شكلت اليوم إرثا معرفيا، أمدّ الآلة الاستعمارية بالطاقة الكافية لتحقيق مشاريعها.
العلاقات التاريخية بين فرنسا والشرق الإسلامي:
يذهب "أحمد نصري" في كتابه (آراء المستشرقين الفرنسيين في القرآن الكريم ) إلى أنّ بداية الاتصال بين الفرنسيين والمسلمين تعود إلى واقعة "بلاط الشهداء" أو ما يسمى أيضا بـ"معركة بواتييه"، حيث وصلت الجيوش الإسلامية إلى جنوب فرنسا بقيادة "عبد الرحمان الغافقي"، فتصادم مع الجيوش الفرنسية بقيادة "شارل مارتل". (نصري، 2009، صفحة ص18)
كما أنّ العلاقة بين الفرنسيين توطدت في الخلافة العباسية، حيث كان الخليفة "هارون الرشيد" يتبادل الهدايا مع ملك فرنسا "شارلمان".
ثم جاء دور "الحروب الصليبية"، حيث كان للفرنسيين الدور البارز فيها، خاصة وأنّ فرنسا كانت قد احتضنت أوّل مؤتمر للصليبيين عام 1095م، لما كان يتمتع به الفرنسيون من تمسك بالعقيدة المسيحية، وبالبسالة في الحروب.
غير أنّ الحروب لم تكن ناجعة دائماً لفرض السيطرة أو الحد من خطر الآخر، فالمعرفة كانت أحد أقوى الأسلحة التي تفطن لها الفرنسيون باكرا؛ فلا يمكن إيقاف زحف هذه الحضارة الإسلامية إلا بدراستها وفهم منابع قوتها.
الاستشراق الفرنسي:
كانت مساهمة الفرنسيين كبيرة في حقل الاستشراق؛ ولقد لعب ملوكهم دورا محوريا في التشجيع على دراسة الشرق، ومن بينهم الملك " فرانسوا الأول" الذي تمثلت مساهمته في تأسيس معهد فرنسا عام 1530م.
ونظير هذا الاهتمام أنشئت العديد من كراسي الاستشراق، والمعاهد والجامعات، كما نشطت حركة جمع المخطوطات والخرائط والكتب العربية؛ فمكتبة باريس لوحدها كانت تضم حوالي سبعة آلاف مخطوط عربي.
في عام 1795، أي بعد الثورة الفرنسية أُنشئت مدرسة اللغات الشرقية، وكانت اللغة العربية من بين اللغات التي تُدرّس فيه، وكان التعليم في أساسه يحظى به القناصلة ورجال السياسة الذين كانوا سيرسلون إلى مهام سياسية في العالم العربي، وازداد الاهتمام بهذه اللغة بعد احتلال الجزائر عام 1830 وتونس عام 1881م. (نصري، 2009، صفحة 26 بتصرف)
الأعلام:
بوستيل: (1505 – 1581): عُرف عنه اتقانه للعديد من اللغات الشرقية، درس اللغة العربية في فيينا، وكتب عن قواعد اللغة العربية، وعن التوافق بين القرآن والإنجيل، وعن عادات وشريعة المسلمين.
دي ساسي: (1758 – 1838): كان له الفضل في إعادة مجد فرنسا الاستشراقي، وهناك من اعتبره البداية الحقيقية للاستشراق الحديث، لأنه أخضع الاستشراق للمناهج. تخرّج علي يديه المترجمين الذين رافقوا بونابرت في حملته على مصر، كما كان أستاذا لشاموبليون مكتشف "حجر الرشيد". (نصري، 2009، صفحة 28 بتصرف)
كان مكلفا بالمخطوطات الشرقية في مكتبة باريس الوطنية، كما كتب عن العرب القدماء، اهتم بكتب القزويني، كما كتب عن تاريخ مصر، وكان مؤسسا للجمعية الأسيوية. (النبهان، 2012، صفحة 23 بتصرف)
كاترمير (1782 – 1838): كان من تلاميذ دي ساسي، ورئيسا لتحرير المجلة الأسيوية. تخصص في دراسة الإسلام، وترجم كتاب " السلوك لمعرفة الملوك" للمقريزي. كما ترجم بعض المختارات من مقدمة ابن خلدون. (النبهان، 2012، صفحة 28 بتصرف)
فانيان (1931 - ): تخصص في الفقه المالكي. ترجم العديد من الكتب العربية، كما كتب عن الزواج في الإسلام، وعن مفهوم الجهاد في الفقه المالكي.
لويس ماسينون: (1883 – 1962): كانت تجمعه علاقات وطيدة بالعالم العربي والإسلامي، وعُرف عنه مواقفه الموضوعية والمنصفة عن الإسلام. أعدّ رسالة الدكتوراه عن "آلام الحلاج" وهو أحد المتصوفة المسلمين، فتخصص في التصوف الإسلامي. تعلم في جامع الأزهر، فاتبع مناهج الأزهريين في التدريس والإلقاء، حتى أنه كان يرتدي ملابسهم. فكانت أول صلته بمصر لما عيّن عضوا في المعهد الفرنسي للآثار الشرقية عام 1906م. في نفس السنة ظهر له أول بحث مهم له بعنوان "لوحة جغرافية للمغرب في السنوات الخمس عشرة الأولى من القرن السادس عشر، تبعا لليون الإفريقي". (بدوي، 1993، صفحة 528 بتصرف) .
في عام 1908 سيكتشف أشعار "فريد الدين العطار" الشاعر الفارسي العظيم، تدور حول "مصرع الحلاج"، فتأثر بقصة هذا المتصوف، الأمر الذي أقنعه بتكريس دراسة عنه. كانت من اهتمامات ماسينون كذلك علم الآثار، ففي عام 1907م عهدت إليه مهمة القيام بأبحاث في الآثار في العراق، فأثرت هذه الرحلة تجربته المعرفية حول الثقافة الإسلامية في العراق، وانتهت رحلته باكتشاف قصر الأخيضر في ربيع 1908م. ووثق رحلته في كتاب ضخم بعنوان " بعثة أثرية في العراق".
لنعد إلى علاقته بالحلاج، فقد ألف أول دراساته بعنوان " عذاب الحلاج والطريقة الحلاجية"، ثم "الحلاج، الشبح المصلوب والشيطان عند اليزيدية". (بدوي، 1993، صفحة 531 بتصرف)
في عام 1910 سيكلف بتقديم دروس في الجامعة المصرية القديمة، فألقى أربعين محاضرة على طلابها، وكان من بينهم "طه حسين"، وكانت تدور حول "تاريخ المذاهب الفلسفية في الإسلام".
كانت رسالته التي كتبها عن الحلاج حدثا ضخماً في تاريخ دراسة التصوف الإسلامي. يقول عنها "عبد الرحمان بدوي": ((فهي دراسة حافلة لكل التيارات الصوفية والكلامية والفلسفية والدينية التي أثرت ومهدت لظهوره وعاصرت رسالته الصوفية، وهذا الذي يفسر ضخامتها [...] ومن هنا كانت كنزا زاخرا بمعلومات مفيدة جدا وآراء سديدة أصيلة في نواح عديدة من الحياة الروحية والدينية والعقلية للإسلام، وإنها لشاهد ضخم يكفي وحده لتخليد ماسينون في عالم البحث العلمي والتاريخي.)) (بدوي، 1993، صفحة 532)
أما الرسالة الثانية فكانت بعنوان "بحث في نشأة المصطلح الفني في التصوف الإسلامي"، استعرض فيها نشأة التصوف الإسلامي منذ عهد الرسول (ص) حتى الحلاج.
تولى ماسينون تحرير "مجلة العالم الإسلامي" التي تحولت فيما بعد إلى مجلة "الدراسات الإسلامية".
لم يتوقف اهتمامه بالحلاج. فأصدر عام 1931 "ديوان الحلاج"، وتوالت الدراسات والترجمات حول هذا المتصوف. ولو أن ذلك لم يصرفه عن الاهتمام بشخصيات صوفية أخرى، فكتب أيضا " ابن سبعين والنقد النفسي"، كما كتب عن شخصية الصحابي "سلمان باك" بتأثير من رحلته إلى العراق بعنوان " سلمان باك والبواكير الروحية للإسلام الإيراني".
كما اهتم بقصة "أهل الكهف"، حيث ألقى عنهم محاضرة في ملتقى المستشرقين المنعقد في بروكسل عام 1938م.
ريجي بلاشير: (1900 - 1973): كان والده موظفا بسيطا في الإدارة الفرنسية في مراكش. تعلم في مدرسة فرنسية بالدار البيضاء بالمغرب. تحصل على الليسانس من جامعة الجزائر علم 1922م. في عام 1936م حصل على دكتوراه الدولة برسالتين: الأولى خصصها لشعر أبو الطيب المتنبي، والثانية ترجمة لكتاب "طبقات الأمم" لصاعد الأندلسي.
بعدها عُيّن أستاذا للغة العربية الفصحى في "المدرسة الوطنية للغات الشرقية" في باريس. من أهم مؤلفاته: "تاريخ الأدب العربي منذ البداية حتى نهاية القرن الخامس عشر". ظهر منه ثلاث أجزاء ولم يستكمل البقية بسبب وفاته. أيضا ترجمة "القرآن" إلى اللغة الفرنسية، وقد رتب القرآن في هذه الترجمة وفقا لما ظنه أنه ترتيب نزول السور والآيات، قبل أن يعود إلى الترتيب الأصلي عام 1957م. (بدوي، 1993، صفحة 127 بتصرف)
أعمال الاستشراق الفرنسي:
على الرغم من أننا قد أشرنا سابقا إلى بعض مؤلفات المستشرقين الفرنسيين الذين ورد ذكرهم أعلاه، فلابأس أن نواصل في رصد أعمالهم الأخرى؛ إذ كانت مساهمة الفرنسيين واضحة في "علم الآثار"؛ ففي عام 1843 قصد "أرنو"، وهو صيدلي فرنسي، اليمن لأجل بحوث أثرية، ليتكشف هناك حوالي ستة وخمسين نقشا قديما في مدينة "الصنعاء".
وبسبب نشاط علم الآثار، تأسست الكثير من المعاهد المتخصصة، مثل "المعهد الفرنسي للآثار الشرقية" بالقاهرة عام 1880م. وكان لمصر النصيب الأكبر من اهتمامات علماء الآثار الذين أغرتهم الحضارة الفرعونية القديمة، فيكفي أنّ الباحث الفرنسي "شامبليون" هو من فكّ رموز الكتابة الهيروغليفية، وذلك سنة 1882م.
أما في الجهة الغربية، فقد أنشأ الفرنسيون معاهدا ومدارسا، مثل معهد قرطاجنة في تونس عام 1895م، و"مدرسة الآداب العالية" في الجزائر عام 1881م، والتي تحولت لاحقا إلى "جامعة الجزائر" عام 1909م.
أما في ميدان التأليف والترجمة، فيمكن أن نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، ترجمة معاني القرآن الكريم التي أنجزها "دي ريور" عام 1647م، ثم رتجمة "سافاري" عام 1783م، وترجمة "كازيمرسكي" عام 1840م.
ألف المستشرقون الفرنسيون كتبا كثيرة حول القرآن الكريم، مثل كتاب " توافق القرآن والإنجيل" لبوستيل عام 1543م. وكتاب " سورة فاتحة الكتاب" لبروفنسال سنة 1920م.
وكتاب "أصل اسم محمد" لكولين عام 1925م، و"معضلة محمد" لريجي بلاشير، وكتاب "محمد" لمكسيم رودينسون عام 1961م.
كما ألفوا في الإسلام، مثل كتاب " النُظم في الإسلام" ليدموبين، وكتاب " أخلاق المسلمين وعاداتهم" لغوتييه عام 1931م.
اهتم الاستشراق الفرنسي كذلك بدراسة المذاهب والفرق الإسلامية، ونذكر مثلا كتاب " نصوص في مذهب الإسماعيلية" لجويار عام 1873م، وكتاب "طابع الفرق في الإسلام" لديموبين عام 1925م. وكتاب "العقيدة الباطنية في الإسلام" لحينون عام 1947م.
أما في الأدب العربي، فنذكر كتاب " اللغة العربية وآدابها وجغرافيتها" لكاترمير، وكتب ريجي بلاشير التي تكتسي أهمية قصوى في هذا المجال.