آليات تحليل الخطاب الاستشراقي من خلال كتاب " الاستشراق " لإدوارد سعيد
الإشكاليات المنهجية:
ما يميّز كتاب " إدوارد سعيد " في تحليله للاستشراق هي تحديده للمداخل الإشكالية التي تواجه الباحث المتخصص في دراسة الاستشراق، فسمة كتابه " الاستشراق" هي الرسم المنهجي الدقيق الذي وضعه، ما منح للكتاب قيمة معرفية مضاعفة.
لقد أكّد سعيد، أنّ دراسة الاستشراق ليست أمرا يسيرا، بل أنّ الاستشراق حقل ملغم، يصعب الولوج إليه دون مواجهة مصاعب منهجية ومعرفية وإيديولوجية.
أوّلاً، ثمّة عامل شساعة حقل الاستشراق، الأمر الذي يشكّل تحديا حقيقيا يصعّب على الباحث الإحاطة بالمادة الاستشراقية في مجملها. أمّا العامل الآخر، فهو حساسية الموضوع بالنسبة للذات الباحثة؛ إذ أنّ الاستشراق كان دائما حقلا تجاذب بين إرادتين: إرادة المعرفة وإرادة الايديولوجيات.
تكتسي المقدمة التي كتبها سعيد لكتابه اهمية بالغة لأجل فهم الإطار المنهجي لهذا العمل الرائد، ويمكن عرض أهم ما ورد فيها من إضاءات منهجية، ومن قضايا إشكالية:
فرضية كتاب الاستشراق:
إنّ الفرضية الأساسية في كتاب " الاستشراق ": أنّه ما من مجال علمي مهما بلغت درجة موضوعيته وعلميته إلاّ وكان خاضعا لقيود ومؤثرات يفرضها عليه المجتمع، وتفرضها التقاليد الثقافية والمعرفية والظروف التاريخية، وأنّ دعوات الموضوعية العلمية والنزاهة والحياد ليست أكثر من أساليب لإخفاء حقيقة إرتهان المعرفة بالمؤسسات في المجتمع سواء أكانت ذات طابع مدني، أو سياسي، أو إجتماعي، أو إقتصادي أو حتى ديني، تنتج مناهجها وموضوعاتها و نتائجها بحسب أهداف تسطّر لها مسبقا، تخدم على نحو ما مصالح المجتمع، وتمدّه بالقوّة اللازمة حتى يتبوّأ درجات من السلطة.
ولأنّ مجال بحث إدوارد سعيد هو «الاستشراق» فإنّه وجد فيه ذلك الخطاب النموذجي الذي أبان عن هذه العلاقة بين المعرفة والسياسة، وبين وظيفة العالم والخبير والمفكر والمؤرخ والفيلولوجي والأنثروبولوجي والديبلوماسي والأديب والفنان الأوروبي، بإرادة مجتمعه الأوروبي في التوسّع والسيطرة، وفرض قوته على الأصقاع البعيدة من العالم. من هنا، وجد سعيد في الاستشراق ما يكشف عن الطبيعة الهيمنية للثقافة الأوروبية، ونزوعها إلى السيطرة والتدجين والإقصاء.
يؤطّر الاستشراق – كخطاب معرفي غربي عن الشرق - مرحلة تاريخية حاسمة في التاريخ الأوروبي، والتي تميّزت بالتوسع الإستعماري ابتداء من القرن الثامن عشر، وبالانفتاح على الجغرافيات البعيدة، لا بهدف استكشافها فحسب، بل بهدف السيطرة عليها، ليبرز علاقة الثقافة الأوروبية بالآخر، وكيف أنها تنبني على إرادة القوة، والسيطرة عليه، وجعله تابعا أبديا له، ومن هنا، يقول الباحث الجزائري " جمال مفرج " في كتابه " المعرفة والقوة، نحو طريقة علمية للهيمنة" إنّ "جميع المظاهر المميّزة للثقافة الغربية تعكس في نظر سعيد، هدفا واحدا هو التحكّم والسيطرة الكاملة نحو «الدمج» الكامل و «التدجين»، بحيث يصبح الشرق تابعا تماما للغرب المسيطر".
إنّ القوّة الكامنة في عمل إدوارد سعيد هي أنّه لم يقدّم سردا تاريخيا يتتبع فيه تطور خطاب الاستشراق في أوروبا، ولم يغرق في سيل من التعريفات التي قُدمت عن الاستشراق في مختلف مجالاته، لكنّه حاول استنطاق مناطق الصمت في هذا الخطاب منذ أن تبنين في أنظمة منهجية صارمة في المرحلة الوضعانية وصولا إلى القرن العشرين مع بداية مرحلة جديدة تميّزت بانبثاق وعي مضاد له، وهي الأمداء التي لم يبلغها أحد من قبله على النحو الذي أبانه في كامل مشروعه النقدي، مبتعدا عن المقاربة التقليدية التي، كما يقول الباحث " وحيد بن بوعزيز " " تنطوي على تتبع مؤامرات الغرب و تفحص نوايا المستشرقين، بتصنيفهم إمّا منصفون أو مُجحفون، بل حاول أن يضفي طابعا جديدا على موضوعه، مستعينا في ذلك بأهم الأفكار المعاصرة له، نقصد الخلفيات المعرفية المعدودة من حقول ما بعد حداثية، مثل مدرسة فرانكفورت والنسق المعرفي الضخم الذي أرسى قواعده ميشيل فوكو".
وتتمثّل هذه المقاربة الجديدة في إبراز الطابع السياسي والعقائدي المتخفي وراء الأنظمة المعرفية للاستشراق، لا كخطابات تنتج الحقيقة عن الشرق، بل كخطابات تأويلية تستند إلى حقيقة مطلقة وهي أنّ الغرب هو قوة عظمى، وأنّ ما دونه مجرد ظلال تابعة، خاضعة لسلطته وسجينة للصورة النمطية التي فُرضت عليها.
إذ لا توجد معرفة دون أن تكون في خدمة سلطة سياسية، كما أنّ السلطة لا تتقوّى أركانها إلاّ لمّا تتعاضد بالمعرفة، ووفق هذه الجدلية، حاول سعيد أن يحلّل هذا الترابط بين المعرفة والسلطة داخل الخطاب الاستشراقي، كإشكال مركزي في كتابه «الاستشراق».
اختراع الشرق:
تمثّل هذه الجملة التي قالها إدوارد سعيد « لما كانت المعرفة بالشرق قد تولّدت عن القوة، فإنّها تؤدي من زاوية معينة إلى خلق الشرق، والشرقي، وعالمه.» أساسية لفهم تصوره لوظيفة الاستشراق.
إذ يتحوّل الشرق في الخطاب الاستشراقي إلى حقيقة مختلقة، أي إلى جغرافيا خيالية. ولعل المصطلح في حد ذاته، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الطابع العلمي للاستشراق، يبرز المدى الذي بلغته المعرفة الغربية من تحريف للحقيقة الموضوعية، ومن تحيّز أيديولوجي هدفه هو الإبقاء على قوة أوروبا، وعلى ضعف الشرق.
كلّ حقيقة هي تأويل لها، ما يجعلها تتجرّد من جوهرها الموضوعي لتغدو فقط مجرد موضوع إدراك وتفسير وتأويل. يقول سعيد: « وهكذا فإنّ كلّ تفسير وكل بناء يُقام للشرق هو إذن، إعادة تفسير له وإعادة بناء.»
لمّا حلّل " إدوارد سعيد " خطابات بعض السياسيين الأوروبيين أمثال " بلفور " و "كرومر " عن الشرق، لاحظ كيف أنّ الحديث عن الشرق يكون من خلال لازمة أساسية وهي " المعرفة ". (( إننا نعرف حضارة مصر ))، و (( ونعرف تاريخها ))، و (( نحيط بها إحاطة أوثق وأشمل )).
وبالمقابل، فإنّ الحديث عن " معرفة شاملة وكاملة " بالشرق " كان ملازما أيضا للفظة " السيطرة "، و" الهيمنة "، بما يجعل اللفظتين " المعرفة / القوة " متلازمتين بشكل عضوي.
إنّ المقصود بـ" المعرفة " في هذا السياق، هو استقصاء تاريخ حضارة الشرق نشأة وتطورا، والاطلاع العميق والشامل على أحوال مجتمعاته. وهي أيضا تعني " القدرة " على المعرفة، التي تقوم على حقيقة " الإرادة " في تحصيلها.
يقول إدوارد سعيد (( فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلّب زيادة المعرفة، وهكذا دواليك في جدلية من المعلومات والتحكّم تزداد فائدتها باطراد. )). على ضوء هذه الجدلية أقام تحليله للاستشراق، كخطاب أنتجه الأوربيون في مرحلة التوسّع الاستعماري، والتنافس الحامي بين الامبراطوريات الاستعمارية على مناطق من العالم. هذا المنظور، أبان عن قراءة استراتيجية في الخطاب الثقافي الأوروبي على ضوء خلفياته التاريخية، فأكبر ما ميّز القرون الثلاث الأخيرة ( 18، 19، 20 ) هو الاستعمار، والتنافس الأوروبي على مناطق النفوذ، إلاّ أنّ ما يجعل هذا الاستعمار مختلفا عن التجارب السابقة هو أنّه سار جنبا إلى جنب مع التطورات المعرفية والعلمية والتكنولوجية التي دعمته وقوّت أركانه، وطوّرت أساليبه في السيطرة والهيمنة.
لقد أبرز سعيد في كتابه " الاستشراق " ضرورة دراسة الاستشراق باعتباره أيضا نظاما تمثيليا صارما للآخر الشرقي؛ فالفكرة الأساسية التي ناقشها هي أنّ الشرقيين عاجزين عن تمثيل أنفسهم، وبذلك توجّب تمثيلهم من قبل الآخرين. ولقد رأينا أنّ التمثيل يرتبط بشرطين أساسيين: المعرفة والسلطة.
لقد ناقش إدوارد سعيد في الصفحات الأخيرة من كتابه " الاستشراق " وفي كتابه " تعقيبات على الاستشراق " صورة المسلم والعربي " في الثقافة الأمريكية، وتحديدا في وسائل الإعلام الامريكية؛ إذ أضحى الإسلام يشكّل خطرا على الغرب، وتحديدا على المصالح الأمريكية، وعلى الرغم من أنّ العلاقة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي تضرب عميقا في التاريخ البعيد بين المنظومتين الحضاريتين، إلاّ أنّ السياقات الجديدة قد أحيت تعصبات تقليدية بين الطرفين، لكن بوسائل جديدة، دخل فيها الإعلام كطرف مهم وخطير في حرب الصورة، فالصورة الإعلامية حلّت محل الصورة التشكيلية، أو محل النص الأدبي. وهذا طبعا لا يعني أنّ الأدب أو الفن التشكيلي قد أُزيحا تماما من دورهما كأنظمة تمثيلية رمزية، لكن السلطة التي اكتسبتها وسائل الإعلام جعلت من خطاباتها التي تصدر منها ذات تأثير غائر في النفوس والعقول، وفي السياسات والعلاقات بين الدول والثقافات.
لقد تساءل سعيد: كيف مُثّل العربي في الثقافة الأمريكية؟ لقد لاحظ أنّ الإعلام الأمريكي قد اختزل العربي في " زيّ " معيّن، وبعد وقوع حرب 1967 بين القوات العربية وإسرائيل، طرأت على صورته تحولات جذرية، وهي أنه كان يُصوّر في هيئة رجل من الرُحل راكبي الجمال في فضاء صحراوي قاحل، إلى صورة كاريكاتورية ساخرة تُجسّده في صورة الإنسان العاجز ذي القابلية على القهر.
وفي عام 1973 عادت صورة العربي للظهور لكن بملامح اكثر خطورة، فصوّرته وسائل الإعلام في صورة شيخ عربي يقف خلف مضخة بنزين، بعد الأزمة البترولية التي تسبّب فيها العرب بعد قرارهم وقف تصدير البترول إلى الغرب الأمر الذي خلق أزمة نفطية هدّدت اقتصاديات الدول الغربية. لقد ظهر العربي بمثابة " مشكلة " ، وبمثابة خطر يتهدّد وجود إسرائيل ووجود الغرب ذاته.
وانطلاقا من هذه التعميمات التي غرضها هو ازاحة الحقيقة عن موضعها على حساب فرض صورة عن شخصيات منمطة تبثّ الرعب و الاشمئزاز في النفوس، لكن مع ضرورة إبراز الطرف القوي في كلّ هذه اللعبة؛ فكون العرب والمسلمين موضوعا لأنظمة التمثيل الغربية، وبأسلوب استفزازي، فإنّ ذلك يعزّز قوّة الغرب في مقابل الضعف الأبدي للآخر، فالعرب والمسلمون يصورون بعناية فائقة بأنهم (( عاجزون عن تمثيل انفسهم، ويتوجّب بالتالي تمثيلهم من قِبل آخرين يعرفون عن الإسلام أكثر ممّا يعرف الإسلام عن نفسه.)) ثمّ ينتهي سعيد إلى النتيجة التي تشكّل أساس نظريته النقدية على خطاب الاستشراق ككل: (( وأشهد أنّ هذا ليس بالعلم ولا بالمعرفة أو الفهم، إنّه إعلان قوة وزعم بالسلطة شبه المطلقة، وهو يتأسّس من منطلق العنصرية، ويجري الترويج لقبوله بصورة نسبية من جانب جمهور مستعد مسبقا للإصغاء إلى حقائقه الاستعراضية. ))
ويصف سعيد هذه المواقف بـ " الجهل المنظّم " المنحاز للمرجعية الاستعمارية بدل الاستفادة من المناهج الجديدة أو الاقتراب من الكتابات التي تظهر من حين إلى آخر في العالم الإسلامي من أجل زحزحة هذه التنميطات.
والوداعة بين نساء الحريم، وبين تصوير نساء الحرملك في صور خليعة.
لقد صورت نساء الحريم مدمنات على التبغ " وبحلول سبعينات القرن التاسع عشر، أصبح استخدام لفائف التبغ أمرا شائعا، وكان تدخين النرجيلة – المعروفة بالانكليزية باسم "هبل – ببل" [...] لافتا للنظر أيضا". ص27.
ومن أشهر اللوحات التي تبرز اهمية التدخين عند الشرقي لوحة " مدخّن الحشيش" لإميل برنارد 1900، تبين اللوحة استخدام المخدرات في الشرق.
من مواضيع هذه اللوحات ظهور الطيور، ومن انواعها الببغاء، اللقلق، الطاووس، ومن الحيوانات القرود، الغزلان، اما الكلاب فكانت لا تظهر في اللوحات لأنها ممنوعة وفقا للشريعة الإسلامية.
كما رسمت نساء الحريم وهن يعزفن على الآلات الموسيقية، منها المندولين. وكثيرا ما يرافق العازفات مجموعة من الراقصين وممثلي الايماء.
لقد صور عالم النساء كفضاء مغلق، غرف مغلقة، حدائق مسيجة، لكن في المقابل بعض الفنانين الايطاليين رسموا نساء شرقيات في الأسواق والبازارات؛ فقد صوّر "لورتي" في لوحته " جولة حول العالم" كيف أنّ السيدات السوريات في ثمانينيات القرن التاسع عشر كن يقضين ساعات في المحال التجارية" (ص34)
ومن بين الموضوعات الأخرى، رسم نساء شمال إفريقيا يستحمن في الانهار، أو البرك او الوديان، ومن بين الرسامين "ايتيين دينيه " الذي كان مولعا برسم نساء سيلعبن بسعادة في الماء، وهن في كامل عريهن.