الاستشراق اصطلاحا: الاستشراق بوصفه حقلا معرفيا
ازدهرت في القرنين الثامن العشر والتاسع عشر ظاهرة هجرة المغامرين والرحالة الأوروبيين إلى الشرق بما يشبه هوساً عاماً، وكانت الوجهة ولايات الإمبراطورية العثمانية وبلدان المغرب وبلاد الشام. وساهمت الظاهرة في تطور حقل "الاستشراق"، حيث كان الرحالة على اختلاف مجالاتهم واهتماماتهم يكتبون تقاريرا حول ما عايشوه ورأوه في هذه البلدان، وقد شكّلت هذه التقارير لاحقا مادة ثرية للأكاديميين لدراستها وتحليلها لاستخلاص الأفكار منها، مما كان يمد القارئ الأوروبي بحقائق يجهلها عن عالم ظل مجهولا وغامضا، لكن أيضا كان يشبع فضوله، خاصة وأنّ الشرق اقترن في المخيلة الأوروبية بالخرافات والأساطير، ((وبذلك يعبّر الاستشراق عن ظاهرة ثقافية ومعرفية تغذيها عواطف اكتشاف ذلك المجهول الشرقي (المحبب) والمحاط بالألغاز التي لا تفسر بسهولة، فالشرق عبارة عن مجهول في النفس الأوروبية المتعطشة لاكتشاف تلك البقعة وجعلها مشروع بحث علم مستنداً على دوافع سياسية وعلمية واقتصادية وثقافية وتبعية. فراحت عيون الغربيين تتسع أكثر فأكثر على ثروات الشرق، ومغامرين عبر المدن والصحارى والجبال والسواحل قريبة وبعيدة عن عواصم الشرق)). (الهلواش، 1440 هـ، صفحة 10، 11)
فالاستشراق ظاهرة ثقافية أوروبية – غربية تعنى بدراسة الشرق تاريخا وحضارة وثقافة في كل مناحيه، وكان من التيارات الأكثر تأثيرا في حقول المعرفة الإنسانية في أوروبا القرن التاسع عشر، وقد ساهم بشكل كبير في المشروع التوسعي والاستعماري، بالنظر إلى المادة المعرفية التي كان يوفّرها عن الشرق مما سهّل في السيطرة عليه. لقد كشف الاستشراق عن دور المعرفة في الحركة الاستعمارية الحديثة.
تتفق أغلب التعريفات بأنّ الاستشراق هو دراسة الشرق والشرقيين من قبل باحثين أوروبيين، مركزا على التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد واللغات والآداب والأديان وأساليب الحياة...إلخ وقد حظي الدين الإسلامي بحصة الأسد من اهتمامات المستشرقين، ويرجع هذا الاهتمام حسب بعض المصادر إلى البدايات الأولى لظهور الإسلام، قبل أن يتطور هذا الاهتمام إلى حقل معرفي متكامل الأركان.
الاستشراق هو أيضا مجموعة من التقاليد الاكاديمية، ومجموعة من المعارف التي انتظمت ((في نسق له مقدمات ونتائج ويعمل بتقنيات ومناهج مخصوصة، ولهذه المعرفة تصورات يزود بها المستشرق مجتمعه)). (حميش، 2011، صفحة 17)
تاريخ النشأة: سرد الفرضيات
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ تاريخ بداية الاستشراق يختلف من مصدر إلى آخر، صحيح أن تطوره الحقيقي بما يشبه النضح والاكتمال كان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلاّ أنّ الحركة الاستشراقية نشطت قبل هذين القرنين بقرون بعيدة. وتُرجع بعض المصادر التاريخية ظهور كلمة "المستشرق" إلى القرن السابع ميلادي، وهو الاسم الذي أطلق على أحد أعضاء الكنيسة اليونانية، وهناك من يذهب إلى أن يوحنا الدمشقي 748م John of Damascus هو مؤسس الاستشراق، والذي كان مقربا من الخليفة "يزيد بن معاوية"، وما عُرف عنه أنه ادعى بأنّ أصول الإسلام هو ديانة وثنية ظهرت في شبه الجزيرة العربية، وأنّ الكعبة في مكة هي مجرد وثن، وأن النبي محمد "ص" رجل غير متدين، كما أنه ادعى أنّ الرسول "ص" أخذ تعاليمه الدينية من كاهن آريوسي... تعلم على يديه.
وهناك مصادر أخرى تُرجع بداية الاستشراق إلى مرحلة فتح المسلمين لشبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا) وانتشارهم في جنوب إيطاليا وصقيلية، وكان لحضور الإسلام الأثر البالغ الذي دفع بالأوروبيين إلى الاقتراب أكثر من هذا الدين بدراسة أحوال المسلمين. ويجدر بالذكر بأنّ مرحلة التوسع الإسلامي في الأراضي الأوروبية تزامن وانحطاط الحضارة الأوروبية التي كانت غارقة في ظلمات الجهل، وليس غريبا أن يقف الأوروبيون منبهرين بما وصلت إليه الحضارة الإسلامية، آنذاك، من رقي حضاري وتطور معرفي وعلمي وأدبي لا مثيل له، وهو الذي انعكس لاحقا في تطور الحضارة الأندلسية.
لقد انشغل القساوسة بمعرفة سر قوة هذه الحضارة الإسلامية، ما دفعهم إلى إرسال بعض الرهبان إلى الأندلس، ليأخذوا العلم على يد العلماء المسلمين، فتعلموا اللغة العربية، وترجموا معاني القرآن الكريم، وأصابوا علوما كثيرة في الطب والرياضيات والفلسفة. وتذكر المصادر التاريخية أنّ من بين أوائل هؤلاء الرهبان الذين تعلموا في المعاهد الأندلسية الراهب الفرنسي " جربر دي أورالياك" الذي سينتخب لاحقا بابا لكنيسة روما عام 999م. كما أنه في هذه الفترة أنشأ "رايموندو الأول" الذي هو رئيس أساقفة طليطلة، مكتب المترجمين عام 1130م، وعن طريق هذا المكتب تُرجمت الكثير من الكتب العربية والإسلامية في ميدان الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والطبيعة وعلم النفس والمنطق والسياسة. (مصطفى، صفحة 24 بتصرف)
أما بالنسبة إلى المستشرق الألماني "رودي بارت" فإنّ بداية الاستشراق كانت مع ظهور أولى الدراسات العربية والإسلامية في القرن الثاني عشر، على إثر ترجمة معاني القرآن الكريم لأول مرة إلى اللغة اللاتينية، بأمر من الأب "بيتروسفنيرابيليس" وكان ذلك في إسبانيا. (مصطفى، صفحة 13 بتصرف)
واجتهد البعض الآخر في تحديد تاريخ النشأة، محاولين تحديد التاريخ تحديدا علميا، فأرجعوا نشأته إلى واقعة علمية على غاية كبيرة من الأهمية، وهي قرار المجمع الكنسي بفيينا بإنشاء كراسي للغات العبرية والعربية والسريانية في روما وذلك في عامي (1311 و 1312)، بهدف دراسة اللغة العربية وعلوم المسلمين، وبفضل هذا القرار نشطت حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية. (مصطفى، صفحة 14 بتصرف)
أمّا عن أول استعمال لكلمة (مستشرق) فيعود حسب "أحمد سمايلوفيتش" إلى سنة 1630 م، وفي سنة 1691 م وصف "أنتوني وود" "صموئيل كلارك" بأنه (استشراقي نابه)، وكان يقصد أنه كان يعرف بعض اللغات الشرقية)). (سمايلوفتش، 1998، صفحة 22)
وحسب "رودنسون" فإنّ لفظة "مستشرق" ظهرت في اللغة الإنجليزية حوالي عام 1779، كما دخلت كلمة الاستشراق على معجم الأكاديمية الفرنسية في سنة 1838. (سمايلوفتش، 1998، صفحة 24، 25)
من هنا انبثق مفهوم "المستشرق" الذي هو ((كل من تجرد عن أهل الغرب لدراسة اللغات الشرقية ولتقصي آدابها للتعرف على أشياء أمة من الأمم وخاصة الإسلامية من حيث أخلاقها وعاداتها وتاريخها وأديانها)). (الهلواش، 1440 هـ، صفحة 20) وهو أيضا الذي يطلب العلم بالشرق.
ومن بين الفرضيات الأخرى أنّ الاستشراق كان نتيجة للتصادم التاريخي الذي حدث بين المسلمين والمسيحيين في إطار ما يسمى بالحروب الصليبية. وكانت هذه الحروب قد مهدت الطريق للمسيحيين للاهتمام أكثر بمعرفة الدين الإسلامي بهدف الصدّ له.
الاستشراق وبداية الاهتمام بالإسلام:
لا يُمكن فصل الاستشراق عن الإسلام، هذا إذا لم نقل بأنّه في وجه من وجوهه هو حقل معرفي غربي يعنى بدراسة الإسلام والمسلمين؛ لذا، فإنّ رصد تطوره عبر التاريخ هو تأريخ مواز لعلاقة أوروبا بهذا الدين وبالحضارة الإسلامية التي وصلت أنوارها إلى أوروبا، وأنشأت هناك قلعة من قلاع الحضارة التي مازالت إلى اليوم تمثل حالة حضارية استثنائية. غير أنّ تاريخ العلاقة بين أوروبا والإسلام كان في أغلبه هو تاريخ الصدامات$ والصراعات، بدأت في شكل حروب صليبية، وانتهت في شكل استعمار أوروبي في القرون الحديثة.
على الرغم من صعوبة تحديد التاريخ الدقيق لبداية اهتمام أوروبا بالإسلام، إلاّ أنّ الكثير من المصادر ذهبت إلى أنّ أولى المؤلفات الاستشراقية لم تكن إلا هجوما على الإسلام. لهذا يذهب البعض إلى التأريخ لبداية العمل الاستشراقي كان مع الحروب الصليبية، وكان هذا العمل خاضع لأحقاد رجالات الدين؛ ففي القرن الثاني عشر الميلادي ظهرت أولى المؤلفات الاستشراقية التي تناولت الإسلام والنبي محمد (ص)، والتي كانت في أغلبها مجرد تحامل ضد هذا الدين، ومن أشهر المؤلّفين آنذاك "بيتر فينيرابل" الذي تحول فيما بعد إلى مرجع لكتّاب العصور الوسطى الذي تحاملوا على الإسلام. (الغزالي، 2008، صفحة 24 بتصرف)
لقد أدرك رجالات الدين المسيحي المركز الذي يحظى به القرآن الكريم الكتاب المقدس للمسلمين في فهم هذا الدين، وقد أنجزت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية عام 1143 م، لكن الترجمة ظلت حكرا على بعض رجال الكنيسة مخافة أن يقع هذا الكتاب بين عموم الناس فيؤثر عليهم، ولم تنشر هذه الترجمة إلا بعد أربعة قرون. وبعدها توالت الترجمات، وتعد ترجمة "مراتشي" والتي نشرت عام 1698 من أهم الترجمات بالنظر إلى اعتمادها على الأصل العربي. ويمكن أيضا الإشارة إلى الترجمة الإنجليزية التي أنجزها "جورج سيل"، والتي نشرت عام 1734م، وأعيد طبعها أكثر من 26 مرة. وما ميز هذه الترجمة هي المقدمة التمهيدية التي تستعرض تاريخ العرب قبل الإسلام إلى غاية ظهور الدين الجديد.
لقد ساهمت هذه الترجمات في تعريف الباحث والقارئ الأوروبي بمضمون القرآن الكريم، كما أنها وفرت للمستشرقين أفقا للتفكير وطرح الأسئلة التي تخص القرآن وعلومه، ومصادره وترتيبه، وتعدد القراءات.
ويمكن من باب التمثيل ذكر أهم المستشرقين الذين تخصصوا في دراسة القرآن؛ وأوّل الذين تخصصوا في هذا الحقل المستشرق الفرنسي "بوتيه" (1800 – 1883) والذي ركزت بحوثه على تأثير القرآن في معرفة الديانات السابقة، والظروف التي أحاطت بنزوله وغاياته. كما نذكر المستشرق الألماني "جوستاف فايل" (1808 – 1889) الذي ألف كتابا بعنوان (مدخل تأريخي نقدي إلى القرآن). كما كانت مساهمات الألماني الآخر "تيودور نولدكه" (1836 – 1930) كبيرة في هذا الحقل، فألف عددا مهما من الكتب، لعل أهمها (نشوء وتركيب السور القرآنية). (الغزالي، 2008، صفحة يُنظر 32)
أما في القرن العشرين، فنجد المستشرق الفرنسي "ريجيس بلاشير" صاحب كتاب (القرآن. نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره)، و(المدخل إلى القرآن).
الاستشراق: تحوّل المعرفة إلى نظام لإعادة إختلاق الشرق:
لقد أشرنا إلى أنّ الاستشراق هو المعرفة الغربية عن الشرق، وهو التعريف الشائع الذي اكتسب الشرعية المعرفية في مختلف المصادر الاستشراقية، لكن هذا التعريف يطرح معضلات معرفية كبرى، لعل أهمها: مدى موضوعية هذه المعرفة.
لم يعبّر الاستشراق، تماما، عن الاهتمامات العلمية الغربية عن الشرق، لكنه عبّر كذلك عن مخاوفه ورغباته ومخياله حول موضوع يبدو أنّه يقف في الحدود الملتبسة بين الموضوعي والذاتي، وبين الواقع والرغبات، وبين الحقيقة والخيال؛ وبالنظر إلى أهدافه، لم يخل تاريخ الاستشراق من النزعة الاستعلائية التي ميزت الذات الأوروبية اتجاه الآخر الغريب والبعيد، لذا، لم يكن الشرق الذي هو موضوع الاستشراق موضوعاً طبيعيا بقدر ما هو موضوع جرى اصطناعه، بمعنى آخر، جرى إعادة تشكيله بما يتطابق مع النزوع المركزي، وبما ينسجم مع الرغبات والخيالات التي انطبعت في المخيلة الأوروبية عنه. إنّ الشرق بهذا المعنى ((هو موجز مختصر ... متغير غامض، شيء يتطابق مع ما يرغب الكاتب، او المدون أو المراقب المفترض، قوله عنه في التو واللحظة)). (ساردار، 2012، صفحة 39، 40)
لقد اُعتبر القرن الـ19 قرن الاستشراق بامتياز، وتزامن ذلك مع انتشار المذهب الرومانسي وتزايد الاهتمام بالشرق من طرف فنانين تشكيليين وأدباء وفلاسفة مرموقين، فظهر ما يسمى بالاستشراق الفني الذي لم يكن أقل شأنا من الاستشراق المعرفي من حيث دوره الفعال في صنع صورة خصوصية عن الشرق.
وهناك أسباب كثيرة تفسّر اهتمام الرومانسيين بالشرق منها الرغبة في البحث عن تجارب جديدة، والمغامرة في المجهول، فهاهو الشاعر الفرنسي "أرتو رامبو" يصف الشرق بالحكمة الأولى الخالدة"، أما "شليجل" فإنّه يمكن العثور في الشرق على "الرومانسية العليا"...إلخ