الاستشراق الألماني
يعود تاريخ أول اتصال بين الألمان والعرب إلى الحروب الصليبية الثانية ما بين 1147 و 1149م.
أما عن بداية الدراسات العربية في ألمانيا فتؤرخ بوصول مخطوطات بوستل إلى مكتبة أمير منطقة فالز.
تاريخيا، كان اهتمام الألمان بالثقافة العربية والإسلامية ضعيفا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى. وكان يتوجب على المهتمين بهذه الثقافة أن يسافروا إلى هولندا مثلما فعل " يوهان إليشمان" الذي عثر في إحدى المكتبات الهولندية على مخطوط لابن مسكويه هو ترجمة لكتاب ليسبس تلميذ سقراط. وأيضا كما فعل " يوهان هاينريش هوتنجر (1620 – 1668) الذي ارتحل هو الآخر إلى هولندا، وهناك سيتعلم الفهرسة العربية وتاريخ الأدب العربي. فكان أول من عرّف بكتاب "الفهرست" لابن النديم. (فوك، 2001)
ما ميز الاسشتراق الألماني جديته في البحث، حتى أنه في وقت من الأوقات طغت المقاربة الألمانية في الدراسات الاستشراقية.
أعلام الاستشراق الألماني:
يوهان جاكوب رايسكه (1774 – 1716)
يعد رايسكه مؤسس الدراسات العربية في ألمانيا. كما تخصص في دراسة المخطوطات العربية. ونجح في ابعاد الدراسات الاستشراقية من التأثيرات اللاهوتية. (تاج، 2013، صفحة 79 بتصرف)
يوليوس فيلهاوزن (1844 – 1918)
تخصص في دراسة التاريخ الإسلامي والفرق الإسلامية. من أعماله: تحقيق تاريخ الطبري. كما ألف كتابا بعنوان "الإمبراطورية العربية وسقوطها" و "الأحزاب المعارضة في الإسلام" و"الخوارج والشيعة" و "تنظيم محمد للجماعة في المدينة"...إلخ (تاج، 2013، صفحة 80 بتصرف)
ثيودور نولدكه (1836 – 1930)
يعتبر عميد المستشرقين الألمان. أتقن ثلاث لغات: العربية والسريانية والعبرية. تعلم اللغة العربية في هامبرغ ثم درس في جامعة ليبزيغ وليدن وبرلين. ثم عيّن أستاذا للغات الإسلامية والتاريخ الإسلامي. اهتم بالشعر الجاهلي وبقواعد اللغة العربية. ألف كتابا بعنوان " مختارات من الشعر العربي"، " تاريخ القرآن" حيث تناول فيه ترتيب السور القرآنية. (تاج، 2013، صفحة 80 بتصرف)
كارل بروكمان (1868 – 1956):
درس على يد نولدكه، فاهتم بدراسة التاريخ الإسلامي، فألف كتابا بعنوان "تاريخ الشعوب الإسلامية" لكن هذا الكتاب مليء بالمغالطات على الإسلام. كما له كتاب بعنوان "تاريخ الأدب العربي. (تاج، 2013، صفحة 81 بتصرف)
أنا ماري شميل: (1922 - )
من أشهر المستشرقين الألمان المعاصرين. بدأت دراسة اللغة العربية في سن الخامس عشر. أتقنت عدد من اللغات الشرقية. اهتمت بدراسة الإسلام بأسلوب علمي موضوعي. (تاج، 2013، صفحة 82 بتصرف)
خصائص ومميزات الاستشراق الألماني:
تعتبر المكتبات الألمانية الأغنى بالمخطوطات والمصادر العربية والإسلامية، كما يمتاز الاستشراق الألماني كما قلنا سابقا، بالجدية والموضوعية، وبتنزهه عن الأغراض السياسية والاستعمارية والتبشيرية، فدافعها الأساسي كان "علميا". ويقول بهذا الصدد المستشرق الألماني "رودي بارت": "فنحن معشر المستشرقين عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية والإسلامية لا نقوم بها فقط لكي نبرهن على ضعة العالم الإسلامي؛ بل على العكس نحن نبرهن على تقديرنا الخالص للعالم الذي يمثله الإسلام ومظاهره المختلفة". (المنيع، 2009، صفحة 399)
ومن مواقف المستشرقين الألمان ما قاله المستشرق " فرتز شتيبات" "الإسلام دين الفكر والعلم والثقافة والعدل والحضارة والتقدم، ولكن المسلمين لم يتمسكوا به، وهم مدعوون لأن يسلموا حتى يصلح حالهم، وتستقيم شؤونهم، ويصبحوا جديرين بحمل الراية من جديد". (المنيع، 2009، صفحة 399)
يذهب بعض مؤرخي الاستشراق الألماني، أنّ هذا الأخير قد مرّ بمرحلتين؛ فالدراسات الألمانية التي ظهرت ما قبل 1919 كانت أقل براءة.
اهتم الألمان بالحضارة الإسلامية، ووضعوا القرآن الكريم ضمن اهتماماتهم الأولى، فكانت لهم مساهمات في الدراسات القرآنية.
لقد اهتم الاستشراق الألماني بطبع القرآن الكريم، فالطبعة الأولى للقرآن الكريم المضبوطة بالشكل قد تمت على يد الألماني " أبرهام هينكلمن" عام 1694م، لكنها تعرضت للانتقاد على يد النصرانيين.
إلا أنّ أشهر الطبعات فهي طبعة المستشرق "فلوجيل" والتي صارت الطبعة المعتمدة عند المسترقين إلى اليوم. غير أن طبعة فلوجيل هي الأخرى تعرضت للنقد خاصة وأنها قدمت القرآن الكريم في ترتيب السور وأرقام الآيات.
كما ساهم الألمان بإعداد العديد من الترجمات للقرآن الكريم وقد بلغ عددها 14 ترجمة من أصل 42 ترجمة، وهي أكثر لغة أوروبية تمت الترجمة إليها. ونذكر منها: ترجمة "سالمون شفايجر"، "ليون اولمان" "فريديرش روكرت"...إلخ.
أما اهم ما نبغ فيه المستشرقون الألمان فكان البحث في "تاريخ القرآن". ويمكن أن نذكر بعض الدراسات: "مدخل تاريخي نقدي إلى القرآن" لغوستاف فايل" و "تاريخ الدول العربية " لفلهاوزن.
وكتاب " تاريخ القرآن" لنولدكه"، وقد أثنى الكثير من المستشرقين على هذه الدراسة. وقد رسم هذا الكتاب الخطوط الجوهرية لمنهج المستشرقين في الدراسات القرآنية.
كما اهتم المستشرقون الألمان بفهرسة وتصنيف المخطوطات والمصادر الإسلامية، وقاموا بإعداد قوائم عامة للمراجع الإسلامية. وقد ساهم كارل بروكلمان في كتابه " تاريخ الأدب العربي" في تبويب التراث العربي وفهرسته وتحليله.
للمستشرقين الألمان أيضا جهود حميدة في تحقيق الكتب العربية وبعث التراث العربي والإسلامي. مثل جهد المستشرق برجشتراسر الذي حقق مجموعة من الكتب: معاني القرآن للفراء، والمشتبه في القراءة للكسائي، وتعليل القراءات السبعة للشيرازي، المحستب لابن جني،....إلخ