الاستشراق وتاريخ الأدب العربي
لقد اعتنى الاستشراق بجميع مدارسه بالأدب العربي وباللغة العربية، بل يمكن أن نقول بأنّ اهتمام المستشرقين بالأدب العربي لم يكن أقل شأنا من اهتمامهم بالدراسات القرآنية.
فبالإضافة إلى العناية بالمخطوطات الأدبية، انكبّ المستشرقون بدراسة الأدب العربي، عبر تاريخه الطويل. وما يبرر هذا الاهتمام هي المكانة التي يحظى بها الأدب في الثقافة العربية، فالحضارة العربية هي حضارة الشعر على نحو خاص، وكان الشعر رافدا من روافدها بالإضافة إلى الرافد الديني.
أعاد الاستشراق كتابة تاريخ الأدب العربي من خلال عدد كبير من الدراسات الموسوعية التي اتسمت بالطابع المنهجي المنضبط في إعادة اكتشاف هذا التراث الأدبي.
ومن بين المساهمات المهمة في هذا الحقل ما قدمه المستشرق الفرنسي "ريجي بلاشير" ونظريته الجديدة عن تاريخ الأدب العربي، محاولا الربط بين تطور المجتمع العربي والوقائع الأدبية من خلال كتابه "تاريخ الأدب العربي " في أجزائه الثلاثة.
أو ما قدمه المستشرق الألماني "كارل بروكلمان" من خلال كتابه "تاريخ الأدب العربي".
لقد اعتني الاستشراق بالأدب العربي في مناح عدة؛ فقد درس تاريخه، وعصره الأدبية، وتطوره من البدايات إلى ازدهاره ثم انحطاطه، كما اهتم بالظواهر الأدبية، وبأعلامه...إلخ ويرجع السبب في هذا الاهتمام البالغ بالأدب العربي إلى أنه يقدم مادة هامة لفهم الشخصية العربية، وكان لهذا الاهتمام الأثر على الآداب الأوروبية، ثم على العرب أنفسهم الذين اكتشفوا تراثهم الأدبي في مرحلة النهضة من خلال أعمال المستشرقين.
ويُرجع أحمد سمايلوفيتش سبب اهتمام الاستشراق بالأدب العربي لعدة أسباب منها: صلة الأدب العربي بالإسلام وكتابة القرآن الكريم، وأهميته لدراسة الشخصية العربية وفهمها، وأثره في آداب العالم، ودوره في ظهور المذهب الرومانسي. (سمايلوفتش، 1998، صفحة 491 بتصرف)
كان اهتمام المستشرقين بالأدب العربي القديم لأنه كان يمثل بالنسبة لكل من يريد دراسة حياة العرب مشكلة رئيسية لأنه لعب دورا في حياتهم قبل الإسلام وبعده. فبعد القرآن الكريم يأتي الشعر الذي نبغ فيه العرب قبل الإسلام عندما كان الشعراء ينظمون شعرهم بلغة شعرية واحدة، ويتبعون قواعدا صارمة، واستمر الوضع إلى حتى أواخر العصر الأموي.
وبحكم ارتباط الشعر العربي بالعاطفة الإنسانية فقد ترك أثرا بالغا في الأدب الأوروبي، وفي عدد كبير من الأدباء الأوروبيين العظام أمثال والتر سكوت، بيرون، غوته، شيلر، هوجو، فولتير، ديفو، سرفانتيس...إلخ. بل أنه "أحدث ثغرة خطيرة في صروح العرف والتقاليد، وأمكن أن يبعث فيهم الأفكار ويدفع بهم إلى الابتكار، مما أدى بحق إلى انقلاب عظيم في الآداب الأوروبية بأسرها". (سمايلوفتش، 1998، صفحة 498)
في القرن التاسع عشر ظهرت بعض الدراسات المهمة التي اهتمت بالأدب العربي، وعلى رأسها كتاب "في تاريخ العرب وآدابهم" من تأليف "إدوارد فانديك" و"فيليديس قسطنطين وطبع الكتاب في مطبعة "بولاق" سنة 1892م. ثم تأتي مساهمة "كارل بروكلمان" الذي وضع أسس لحكرة علمية جديدة بكتابة تاريخ الأدب العربي، ويعد كتابه كتابا جامعاً. وكان خطوة جبارة في دراسة الأدب العربي على الرغم من أنه لم يتعمق في دراسته. وكان له الفضل في الدفع بحكرة البحث في الأدب العربي نحو أفاق جديدة، فظهرت أعمال "نولدكه" و "بلاشير" و "مارجليوث". فاهتم بعض المستشرقين بالأدب الجاهلي، وآخرون بنقائض جرير والفرزدق وهو ما اضطلع به المستشرق "انطوني بيفان" الذي حقق شعر الشاعرين فيما يربو ال1102 صفحة. كما تخصص "بلاشير " في الأدب العباسي وتحديدا في شعر "المتنبي" بدرجة لم يسبق إليه أحد من قبل.