رجيس بلاشير وموقفه من تاريخ الأدب العربي:
ينتمي بلاشير (1900 – 1973) إلى جيل من المستشرقين الذين تعلقوا بقراءة التراث الأدبي العربي الإسلامي وفق مناهج فيلولوجي تاريخي، متأثرا بالمنهج العلمي.
تعلم بلاشير العربية في أثناء دراسته بمدرسة مولاي يوسف بالرباط. في عام 1934 تحصل على شهادة دكتوراه دولة بأطروحة عن المتنبي وأخرى تكميلية ترجم فيها كتاب "طبقات الأمم" لصاعد الأندلسي.
أولى بلاشير اهتماما بالأدب العربي، وانعكس اهتمامه في دراسته الكبيرة عن المتنبي، وهي التي رسمت له لاحقا معالم الطريق للاهتمام بالشعراء العرب. فألف كتابا عن تاريخ الأدب العربي من بداياته إلى غاية القرن الخامس عشر ميلادي، و"قد أصبح هذا المؤلف، بفضل منهجيته وطريف رؤاه الثقافية والنقدية، مرجعا لا يُستغنى عنه بالنسبة إلى المهتمين بالأدب العربي وتاريخه". (الواد، 2019، صفحة 17)
أما منهجيته فكانت مثالا للباحث الجاد والموضوعي؛ فقد اعتمد على المنهج الفيلولوجي والتاريخي، ويعني هذا المنهج حب الألفاظ والكلمات والآداب، ويدرس اللغة اعتمادا على الوثائق المكتوبة، أي هو مزيج من النقد الأدبي والتاريخ واللسانيات. أما غاية هذا المنهج فهو "الوصول من الأعمال القديمة إلى أقربها صيغة من صيغها الأصلية، وذلك بالمقارنة بين نسخها المتعددة وما بينها من اتفاق واختلاف وباستعمال جميع الوثائق وآليات البحث والتنقيب". (الواد، 2019، صفحة 24)
أما المنهج التاريخي فهو يستمد المعرفة من الوثائق بالتثبت من صحتها وسلامتها من التحريف.
والمنهج التاريخي يعتبر الأعمال الأدبية مثلما هم الأدباء نتاج عصورهم، ونتاج الأوضاع العائلية والاجتماعية في سياق حضاري معين. لذلك "فهو يعتبر معرفة العصور التاريخية التي عاش فيها الأدباء مفاتيح للتعرف إلى شخصياتهم، ويعد التعرف إلى شخصياتهم مفاتيح لمعرفة أعمالهم الأدبية. إنّ المنهج التاريخي، بعبارة أخرى، يُعدّ أدب الأديب مرآة له ولعصره، ويعدهما، في نهاية المطاف، مرآة للإنسانية". (الواد، 2019، صفحة 26)
ويشترط المنهج التاريخي في دراسته للعصور والأعلام التثبت من الوثائق ونقدها، غير أنّ ما أُخذ على هذا المنهج إهماله للبعد الأدبي في الأعمال الأدبية، فهذه الأخيرة ليست مجرد وثائق فحسب، بل هي وثائق فنية ذات تأثير على النفوس، ما يدفع بالباحث إلى الاهتمام بالذوق الفني، الذي يتعارض مع صرامة المنهج التاريخي، خاصة وأنه يدعو إلى الموضوعية.
فكيف كانت مساهمة بلاشير في دراسة الأدب العربي القديم؟ سنتوقف عند رسالته التي كتبها عن الشاعر العربي "المتنبي"، حيث استعمل المنهج التاريخي.
درس بلاشير شعر المتنبي في علاقة الشاعر بعصره (الخلافة العباسية) في أوائل القرن الرابع الهجري، فقدم لمحة تاريخية عن الوضع السياسي والديني والاجتماعي والأدبي، كما ركز على مسقط رأس الشاعر وهي "الكوفة"، وما شهدته من تيارات فكرية نشطت في تلل المدينة، كما أنه تطرق إلى الفتن التي وقعت آنذاك، وعن القرامطة أيضا. (الواد، 2019، صفحة 29 بتصرف).
وبعد عرضه لعصر الشاعر، انتقل إلى "سيرة" الشاعر، فبحث في أصوله ونسبه وتعلمه، وبحث في تشيعه للقرامطة، وادعائه للنبوة وسجنه ومحاولاته الشعرية الأولى...إلخ (الواد، 2019، صفحة 30 بتصرف)
كان عمل بلاشير موسوعيا اعتمد على الوثائق، وتناولها بكثير من النقد والتمحيص، وكان يلتجئ إلى نصوص الشاعر لاكتشاف الكثير عن شخصيته، خاصة وأنّ شعر المتنبي يهيمن عليه ضمير "الأنا" ما يجعل قصائده وثيقة الصلة بحياته المضطربة، خاصة وأنّ حياة المتنبي يكتنفها الغموض.
أما القسم الثاني من دراسته فقد خصصها بلاشير لديوان المتنبي عبر الدراسات الاستشراقية ولدى العرب المعاصرين.
لقد أعطى بلاشير أهمية لتأثير المحيط والتاريخ في الشعراء، لكنه لا يرى في الأدب مرآة ينعكس عليها الواقع آليا، إنه يرى بأنّ الشعر نفسه يقدم مادة مهمة لفهم تجارب الشعراء، والتغطية على المناطق المجهولة في حياتهم.
اعتمد بلاشير على المنهج التاريخي لوضع تاريخ للأدب العربي. لقد أصدر مؤلفا ضخما مكونا من ثلاثة أجزاء خصصه لتاريخ الأدب العربي منذ العصر الجاهلي إلى غاية القرن الخامس عشر، لكنه لم يستكمل المشروع بسبب وفاته.
في مقدمة كتابه "تاريخ الأدب العربي" أشار بلاشير إلى الدور الكبير الذي لعبه المستشرق الألماني "بروكلمان" الذي أنجز عملا موسوعيا عظيما جمع فيه ما كُتب في اللغة العربية، بل اعتبره أهم كتاب في مجاله، ولو أنّه سيخالفه في العديد من المسائل الجوهرية.
مثلا في تعريفه للفظة الأدب الذي وجده تعريفا واسعا، يشمل حتى النتاجات غير الأدبية، وهو الذي قال أنّ لفظة الأدب لا تعني مُجمل الآثار المكتوبة في اللغة العربية، ويعني بذلك الشعر والنثر الأدبي والآثار الفلسفية والكلامية والفقهية والعلمية. (الواد، 2019، صفحة 36 بتصرف)
فالأدب يتميز بقصديته الفنية، وبالمكانة التي يتمتع بها الشكل الفني وأساليب التعبير الرشيقة التي تترك في المتلقي أثراً جميلا.
كما اختلف معه في تحديده للعصور الأدبية، ذلك أنّه اعتمد على المعيار السياسي لتقسيم العصور الأدبية، فقسم العصور على النحو التالي:
5. عصر "النهضة" السورية اللبنانية المصرية منذ القرن التاسع عشر إلى أيامنا)). (بلاشير، 1973، الصفحات 8 - 9)
ويعقب حسين الواد بقوله ((فعوض أن يكون مستوحى من اعتبارات أدبية صرفة، فإنه لا يقيم وزناً، في الحقيقة، إلا لثورات السلالات الملكية، أو الحوادث التي كان لها، دون ريب، أثر في تاريخ الإسلام، بيد أنّ صلتها مع الأدب تبدو غير متوافقة ولا حقيقية جداً. والحق أنه يصعب أن نرى في التحولات السياسية من عصر إلى عصر أثراً مباشراً وآنيا في الأدب يمكن الاعتداد به فاصلا بين عصورها التاريخية)). (الواد، 2019، الصفحات 37 - 38)
غير أنّه كان على دراية بصعوبة هذا الإنتقال من المعيار السياسي إلى المعيار الأدبي، فما الذي سيكون معيارا لتحديد العصر الأدبي؟
لقد اختار بلاشير مثلا التركيز على "تطور المجتمع الإسلامي" أكثر من اهتمامه بالحوادث السياسية، كما ركز على المراكز العقلية والتيارات الفكرية التي ظهرت في المجتمعات الإسلامية والتي اوجدت أشكالا أدبية. هذا الموقف جعله ثقف على التحولات الأدبية متداخلة مع التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية، مركزا على مفهومين: الجيل و المراكز الحضارية.
فمفهوم "الجيل" اعتمد عليه للرد على تقسيم الأدب العربي إلى عصور سياسية، ومما قاله أنّ الفكرة الشائعة تقول بأنّ ظهور الإسلام قد أحدث انقطاعا في تطور الأدب العربي، في حين أنّ الأمر غير صحيح. والحقيقة ((أنّ نزول القرآن، و التغييرات التي طرأت على العالم العربي لم تؤثر تأثيرا واقعيا او ظاهريا على النتاج الأدبي إلا بعد أربعين عاماً من وفاة الرسول (ص))). (الواد، 2019، صفحة 43)
ويقترح بلاشير تاريخين لتحديد العهد الأدبي: الأول هو عام 50 هـ/ 670م يحدد اختفاء جيل شهد ضعف وانهيار قيم الوثنية العربية، وصعود القيم الإسلامية وانتصارها. والثاني هو عام 107 هـ/ 725م يعين نهاية الجيل المذكور، ودخول نزعات جديدة، تؤذن بتطور الشعر وولادة "النثر الفني". والمغزى أنّ ((التغيرات السياسية لا تعطي أثرا مباشرا في الناس، وإنما يظهر تأثيرها لاحقا في الجيل الذي وُلد مع حصولها)). (الواد، 2019، صفحة 45)
أما مفهوم "المراكز الحضارية/ الثقافية " فقد كان له الأثر الكبير في تاريخ الأدب كما تصوره بلاشير، فالانصراف عن المدينة كان واقعة ذات أهمية قصوى في تطور الأشكال الأدبية، وتبعا لهذا التصور، فقد ميّز بلاشير بين شعراء البادية والحواضر.
نشوء الكتابة العربية:
من بين القضايا التي درسها بلاشير ظاهرة نشوء التدوين في الثقافة العربية. وحسب المصادر الإسلامية فإنّ أول من اخترع الخط العربي هو "مرار بن مرة الأنباري.
تحقيق النصوص الشعرية:
يرى بلاشير أنه قبل الشروع في دراسة الشروط التي بها يتم "تحقيق الشعر الجاهلي" فلابد من الإجابة عن سؤالين: كيف كان ينظم الشاعر؟ وكيف كانت تشيع آثاره بين الناس؟
يعترف بلاشير أن هذا الجانب من الدراسة تكتنفه الكثير من الصعوبات، خاصة وأنه من الصعب العثور على الآثار الشعرية في حالتها الأصلية. ومن بين الإشكالات المطروحة: هل كان الشاعر العربي الجاهلي يدون أشعاره؟ في ظل هيمنة الثقافة الشفوية التي هي الأصل في الثقافة العربية، وما هو معلوم أنّ ((الرواية الشفوية كما هي اليوم خاضعة للمفاجآت، والصدف وجموح الأهواء، وتقلبات الحوادث على القبيلة التي تنقل الأخبار والشعر)). (بلاشير، 1973، صفحة 121)
هذا أدى إلى التشكيك في صحة الشعر الجاهلي، بسبب صعوبة معرفة عناصره الأصلية وعناصره الدخيلة. ففي عام 1864م تناول المستشرق نولدكه لأول مرة موضوع مدى صحة الشعر الجاهلي، انطلاقا من المبدأ التالي: القصائد المروية غير موثوق بصحتها. فالشعر الجاهلي لم يدون إلا في منتصف القرن الثاني للهجرة.
أليست الإشارات إلى أديان العرب في الشعر الجاهلي نادرة؟ يتساءل بلاشير. بل أن هؤلاء الشعراء الجاهليون هم أقرب إلى التوحيديين، بل هم على علم بالدين الإسلامي وقصص القرآن.