موضوع البحث/ عنوان البحث/ إشكالية البحث
تمثّل مرحلة (اختيار موضوع البحث) المرحلة الجنينية في أيّ بحث جامعي، لأنّه يقترن بـ(المشكلة) البحثية التي يودّ الباحث حلّها.
وموضوع البحث لا علاقة له بـ(مدونة البحث) التي قد تكون رواية أو ديوانا أو مسرحية أو نظرية نقدية؛ بل تعني القضية أو المسألة التي سيخوض فيها الباحث. ويتبلور الموضوع عبر السؤال المركزي الذي يطرحه الباحث، ويحاول الإجابة عنه، بالاعتماد على المصادر والمراجع، وبالاعتماد على المناهج المتاحة.
أما (المدونة) فهي السند الذي يعتمد عليه الباحث لصياغة إجاباته المحتملة؛ قد يبحث الباحث في موضوع (المركزية الذكورية) مثلا في إحدى الروايات، والرواية التي سيختارها مدونة له، سيعتمد عليها كمرجعه الأساسي لاختبار فرضياته، والبحث عن الإجابات عن سؤاله المحوري عبر أحداث الرواية وشخصياتها وحواراتها...إلخ.
مبدئيا، لا ينفصل موضوع البحث عن إشكاليته ولا حتى عن عنوانه، وهذا ما سنبينه في هذا الدرس.
اختيار موضوع البحث:
إنّ تحديد موضوع البحث يضمن للباحث بداية صحيحة وسليمة لبحثه؛ أما السؤال الذي يطرحه أي باحث مبتدئ فهو: من سيحدد هذا الموضوع؟ الباحث نفسه أم مشرفه؟
المعمول به، وهو الذي يمثل مبدأ أساسيا في البحث، أنّ ما يحدد موضوع البحث هو الباحث نفسه. ويكون ذلك في شكل (هاجس معرفي) أو في شكل (أسئلة ذاتية) تبلورت بعد سلسلة من القراءات في مجال تخصصه.
يفترض أنّ يكون الباحث قادرا على المبادرة انطلاقا من إحساسه بالمشكلات المعرفية التي تواجهه في مجال تخصصه؛ وتلك المشكلات هي في حد ذاتها بمثابة دوافع قوية لتوسيع مداركه. ذلك أنّ الخوض في أي بحث هو أولا تلبية لحاجة الذات للمعرفة أكثر، فكلما زاد اطلاعها تفاقمت الأسئلة وتكاثرت القضايا، وتعمق إحساسها بالجهل أيضا.
يُمكن الاستعانة بالمؤطر أو المشرف أو بباحثين آخرين لمناقشتهم الموضوع وإثرائه بالملاحظات والتنقيحات، وهذا سيفيد الباحث كثيرا في بلورة الموضوع على نحو أفضل، قبل تسجيله في الإدارة.
ثمة ملاحظة أساسية يجب التنويه بها وهي أنّ أساس البحث الجامعي هو امتلاك حس القلق المعرفي، وعدم أخذ المعارف باستسهال، دون إخضاعها للسؤال والفحص والنقد؛ وهو ما ينبغي على الباحث أن يقوم به اتجاه موضوعه، فهناك دائماً حقيقة غابت عنه، فهو يحتاج إلى آراء الآخرين. لكن للأسف، يحدث أن يُفرض على الطالب موضوعا ما، فلا يناقشه مع مشرفه، فيخوض فيه دون دراية بشعابه ومنعطفاته ومسالكه الوعرة، وقد يضيع أسابيعاً من الجهد قبل أن يكتشف أنّ الموضوع لم يفهمه، أو ربما قد يكتشف فيه خللا أو خللين، وحينها يكون الوقت قد فات لتدارك الخطأ.
ما يجعل مرحلة (اختيار الموضوع) مرحلة حساسة وصعبة، هو كثرة عوامل الاختيار، ولا بأس أن نقسمها، إلى عامل ذاتية وعوامل موضوعية.
العوامل الذاتية:
ولا ننسى أنّ الذائقة تتدخل كذلك في اختيار الموضوع، خاصة إذا ارتبط بعمل أدبي أو نقدي؛ فهناك مثلا من الباحثين من يميلون إلى قراءة السرد، وآخرون إلى قراءة الشعر أو المسرح أو النقد مثلا؛ ومن المهم أن يحترم الباحث عامل الذوق الجمالي والفني كعامل في تحديد موضوع بحثه.
من المهم، إذن، أن يختار الباحث الموضوع الذي يتوافق مع مستواه المعرفي، فلا يخوض في مسائل هي أكبر منه، بداع التفاخر أمام زملائه. إنّ قيمة البحث لا تكمن في فخامة الموضوع أو تعقيده، بل في نتائجه ومدى تحقيقه لأهدافه المعرفية.
صحيح أنّ منطق البحث يفترض عدم الخلط بين المعرفة والأخلاق الاجتماعية، لكن لا ننكر أنّ للمجتمع تأثير على تكوين الأفراد، والباحث هو فرد من المجتمع، وتتعقد الأمور بالنسبة للمجتمعات المحافظة.
أضف إلى ذلك الصعوبات السياسية، فيمكن لموضوع ما أن يشكل تحديا سياسيا، وقد يورّط الباحث في مشكلات مع السلطة السياسية. إذ يكفي أن نذكر مثلا ما حدث لطه حسين بعد نشره لكتابه (في الشعر الجاهلي) أو ما حدث للمفكر المصري (نصر حامد أبو زيد) الذي تم تكفيره وتهديده بالموت بسبب أبحاثه في التأويل الديني.
العوامل الموضوعية:
بالإضافة إلى ذلك، أن يكون اختيار الموضوع بهدف الظفر بمكانة في سلم البحث الجامعي، ويكون البحث إضافة نوعية لما سبق من البحوث، وليس مجرد تكرار لما قيل سابقاً، فما الفائدة من إعادة طرح نفس الأفكار؟
قد تتشابه موضوعات البحث، وهذا أمر طبيعي ووارد، لكن تختلف مستويات إدراك أبعادها، وطريقة معالجتها، وطبيعة أهدافها؛ فالذين يحكمون على بعض الأبحاث من تشابه عناوينها، بأنّ الموضوعات مطروقة، فقد وقعوا في خطأ فادح، إذ هم يسلّمون بأنّ موضع البحث ما إن يُبحث فيه في بحث واحد، فهذا معناه أنّ باب الاجتهاد فيه قد أُغلق نهائياً.
أحيانا، يتفاخر بعض الباحثين بأنّ موضوعاتهم جديدة، وأنّ لا أحد قد سبقهم إليها، لكن بمجرد أن يشرعوا في العمل سرعان ما يقفون أمام جدار عال. إنها مهمة العلماء والفلاسفة والمفكرين والمنظرين الأدبيين والنقاد الكبار الذين بإمكانهم أن ينتجوا معرفة جديدة ورؤى حداثية متجددة، ومع ذلك لا يفعلون ذلك إلا بعد أن يهضموا كل ما كُتب في مجال تخصصهم، فالجديد ليس حالة من الإلهام الروحي الذي ينزل على الباحث من السماء، بل هو نتيجة لتراكم كبير للقراءات قبل هضمها على نحو جيد، ليكون الباحث قادرا على اختراق المناطق المجهولة في حقله.
وكخلاصة، سنورد ما قاله (أمبرتو إيكو) حول أهم القواعد لاختيار موضوع البحث:
عنوان البحث وعلاقته بموضوع البحث:
العنوان هو عتبة كلّ بحث، ويكتسي أهمية قصوى في تحديد هوية البحث، من حيث موضوعه وإشكاليته وطبيعة المقاربة التي سيعتمد عليها، لهذا فإنّ الصياغة الجيدة للعنوان هي مرحلة حاسمة في البحث نفسه.
ونظرا لأهمية "العنوان" قال (روبرت داي): ((إنّ الذين يقرأون النص الكامل للبحث هم في واقع الأمر أقل بكثير ممن يقرأون العنوان))[2].
ولو أنّ العنوان قد يمرّ بمراحل أثناء صياغته؛ فهناك صياغة مبدئية عندما يتم تسجيل الموضوع، وقد يكتشف الباحث بعد الشروع في بحثه بضرورة التعديل لوجود خلل ما فيه.
تتوقف صياغة العنوان على مدى فهم الباحث لموضوعه ولمشكلاته المعرفية،
من مواصفات العنوان الجيد:
من هنا، نستخلص بأنّ العنوان الجيد هو ((وصف محتوى البحث في أقل عدد ممكن من المفردات في غير إسهاب أو اقتضاب)).[3]
إشكالية البحث وآليات صياغتها:
هناك علاقة عضوية بين موضوع البحث وإشكالية البحث، إذ يصبح الموضوع مشكلة بحث عندما نطرح سؤالا أو أسئلة حول هذا الموضوع.
إشكالية البحث هي السؤال المركزي الذي يطرحه الباحث، والذي ينبغي عليه أن يبحث عن إجابة له.
ولأجل تدقيق إشكالية البحث، اقترح "موريس أنجرس" أربعة أسئلة تفيد الباحث في تعريف إشكاليته:
أما عن الخصائص التي يجب أن تتوفر في إشكالية البحث فهي كالتالي:
لا توجد إشكالية في البحث دون اقتراح فرضية، والفرضية، كما يعرّفها "موريس أنجرس" هي ((إجابة مقترحة لسؤال البحث، يمكن تعريفها حسب الخصائص الثلاثة الآتية: التصريح، التنبؤ ووسيلة للتحقق الأمبريقي)).[5]
وسيكون البحث هو إجابة عن السؤال المركزي، واختبار بنجاعة ما طرحه الباحث من فرضيات.
[1] )- يُنظر: أمبرتو إيكو، كيف تعد رسالة دكتوراه، تر: علي متوفي، المشروع القومي للترجمة القاهرة، دط، 2002، ص20.
[2] ) – روبرت داي و باربرا جاستيل، كيف تكتب بحثا علميا وتنشره، تر:محمد إبراهيم حسين وآخرون، الدار المصرية اللبنانية، ط01، 2008، ص67.
[3] )- روبرت داي و باربرا جاستيل، كيف تكتب بحثا علميا وتنشره، مرجع سابق، ص67.
[4] )- موريس أنجرس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، تر: بوزيد صحراوي وكمال بوشرف وسعيد سبعون، دار القصبة للنشر الجزائر، دط، 2006، ص142
[5] )- موريس أنجرس، منهجية البحث العلمي في العلوم الإنسانية، مرجع سابق، ص151.